ابن ميثم البحراني

6

شرح نهج البلاغة

شديد الاهتمام بحاله ليكون ذلك أدعى لقبول وصيّته وهو كالتوطئة والتمهيد لها . ثمّ أعلمه أنّ فيما تبيّن له عليه السّلام من الأمور المذكورة قرب رحيله إلى اللَّه وذلك هو الَّذي وزعه ومنعه عن ذكر ما سواه والاهتمام بما وراءه من المصالح المتعلَّقة بصلاح الخلق ونظام العالم . إذ كان ذلك هو وقت التضيّق على الإنسان فيما هو أهمّ عليه من الاستكمال بالفضايل والاستعداد للقاء اللَّه دون ما سبق من أوقات الشبيبة واستقبال العمر لاتّساعها لصلاح حال الغير والاشتغال بالأمور المباحة ، غير أنّه حين تبيّن له ذلك وتفرّد به همّ نفسه دون غيرها ، ومن صدّقه رأيه بكشفه له عمّا ينبغي أن يكون اشتغاله به من أمر نفسه ووجوب العمل لها فيما يهمّها ، وصرفه عن هواه فيما يخرج عنها . إذ كان أجود الآراء وأصدقها في الأمر عنده شدّة ، الاهتمام به ، وصرّح له خالص أمره وما ينبغي له ، وانتهى به إلى جدّ وصدق خالصين من شائبة اللعب والكذب . وجده عليه السّلام بعضا منه وهو كناية عن شدّة اتّصاله به وقربه منه ومحبّته له كما قال الشاعر : وإنّما أولادنا بيننا * أكبادنا يمشى على الأرض بل وجده كلَّه : أي عبارة عن كلَّه . إذ كان هو الخليفة له والقائم مقامه ووارث علمه وفضائله ، ودلّ على شدّة قربه منه وأنّه بمنزلة نفسه بذكر الغايتين في قوله : حتّى . إلى قوله : أتاني ، ووجه التشبيه بين ما يصيب ولده وبين ذلك الشيء وإن لم يصبه عليه السّلام شدّة تألَّمه به . واعلم أنّ ذلك الوجدان وإن كان له طبعا كما يحصل للوالد في أمر ولده لكنّه ممّا لزم التفطَّن له في آخر العمر عند تذكير انقطاع الدنيا لما في طبعه من محبّة بقاء الذكر الجميل والحرص على دوام الخير والآثار الصالحة في العالم ولذلك جعله لازما لتفرّد همّ نفسه به وصدق رأيه في النصيحة ، وروى : محض . مرفوعا على الفاعليّة ومنصوبا بإسقاط حرف الجرّ ، والتقدير عن محض أمري ، ثمّ نبّه على أنّ من لوازم وجدانه لما وجده من أمره أن عناه وأهمّه منه ما يهمّه من أمر نفسه فكتب إليه هذه الوصيّة ليكون له ظهرا ومستندا يرجع إلى العمل بها في